المحرر السياسي
المحرر السياسي
عدد المشاهدات : 12,189   
الى التيار السلفي

قدم التيار السلفي في دماج المبرر للحوثيين أن يوجهوا كامل عتادهم لسحق الإنسان كقيمة أولاً وفرض حصار تجويع فاق كل التصورات بمبرر أنهم يحاربون التطرف والتشدد والانغلاق، وتحت هذه العناوين جرى الضرب للتيار السلفي بلا هوادة أو رحمة، ولعل السلفيين بتقوقعهم وانغلاقهم على ذواتهم ورؤية العالم من خرم إبرة، قد أضر فعلاً بهم وقدم نفعاً للحوثية لأن تهاجمهم، وهي تدرك أن حقوق الإنسان هنا شبه معطلة، وجرى في هذا السياق تحرك إعلامي ساند الحوثيين على الأقل في تنفيذ مخططهم الذي يتجهون إليه، وبغض النظر هنا عن المكاسب التي تحققت للحوثية، فما نريد قوله إن التشدد أمر مرفوض تماماً، ولا يعبر عن قيم الإسلام وهو دين محبة وتسامح وسلام وتفتح مع الآخر واعتراف به وحقه في الوجود والتواجد.. هذا ما يجب أن يفهمه جيداً التيار السلفي في دماج الذي عليه أن يستفيد مما حدث له من انتهاك لحقوق الإنسان باسم مكافحة التشدد والتطرف، لذلك مطلوب اليوم من هذا التيار أن يخرج من الشرنقة الضيقة، وأن يندمج كقوى موجودة مع المجتمع بكل تنوعه دونما تمترس ضد الآخر وتحديد مواقف مسبقة منه، والتعامل مع العصر بذات القيم الإسلامية الراقية التي تؤمن بالإنسان وأحقيته في الحياة. هذا ما يفرض نفسه الآن على هذا التيار الذي يظن أنه الفرقة الناجية أما الباقون فإلى هلاك، ليعطي الذرائع لضربه وتقديم صورة مغلوطة عن الإسلام، ويمنح الآخرين القدرة على التميز وعلى محاصرة من يسمون بالسلفية، التي تشكل بعض آراءهم مفارقة مع المجتمع، بل وتعزلهم من الإسهام في البناء والعمل الوطني.. وما نريد تأكيده لهذا التيار السلفي في دماج: أن ذات القوى السلفية في مصر وتونس وليبيا استطاعت أن تراجع العديد من الآراء والمواقف المتشددة والمتصلبة وتعمل على تغييرها انسجاماً مع روح الإسلام الحنيف ودون أن ينال ذلك منها في شيء، قدر ما أكسبها احترام المجتمع بما قدمته من نموذج طيب في التعامل والتعارف مع الآخرين، انطلاقاً من قوله تعالى (إنا جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) صدق الله العظيم، فالأصل التفاهم والتعاون والتعارف وليس الانزواء عن المجتمع وتعطيل قدرات بشرية قادرة على العطاء لو أنها تفتحت مع ما هو خلاق وينسجم مع روح القيم والمبادئ العليا للإسلام التي تأتي في مقدمتها حب العلم والمعرفة والتنوع كسنة إلهية، هذا ما لابد منه الخروج من الدائرة الضيقة والإدعاء أن الحقيقة هي حكر بيدهم دون الآخرين.
ونحن هنا مع تعاطفنا الشديد لما يتعرض له هذا التيار من قتل وحصار، إلا أننا في ذات السياق لسنا مطلقاً مع الفكر الضيق المتحجر، فالحياة تقدم وتطور ورقي وشراكة إنسانية، وقبلها وطنية، وأي خروج عن هذا ليس سوى تقديم الصورة الغير حقيقية لمعنى الإسلام، الذي هو منهج الاعتدال والاعتراف ببني آدم، مصداقاً لقوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر) صدق الله العظيم، هذا التكريم يلزم التيار السلفي بمراجعة مواقفه وسريعاً في ما هو عليه الآن من انغلاق لا يقول به الإسلام ولا يعترف به، فالتشدد لا يجلب غير الضيق بالآخر ودعوة للآخر بعزل هذا التيار ومحاصرته وضربه.
وهنا فقط علينا أن نؤكد: أن التيار السلفي في دماج في أحوج ما يكون إلى إجراء تغيير في داخله ليكسب تعاطف الجميع، واحترام الجميع، وليكون قوة حاضرة فاعلة ليست مغتربة أو داخلة في قوقعة الرفض للجديد، الذي ليس من الإسلام في شيء.
مرة أخرى، ندين بشدة ما تعرض له هذا التيار من قتل وحصار من قبل الحوثيين وندين صمت النظام الذي وقف معه التيار السلفي بدعوى طاعة ولي الأمر وهي طاعة عمياء ما لم تكن رفضاً للظلم والفساد والطغيان ومع ذلك جازاه جزاء سنمار وزايد به أمام الآخرين، أنه تطرف لا ينبغي الوقوف معه، والحقيقة أننا نشفق على هذا التيار من نفسه، وهو يعيش حياة الكهوف في زمن منح الله الإنسان البصيرة ليرتقي سلم الحياة باعتباره خليفة الله في الأرض الذي لا نجد في التشدد هذا المعنى، إن لم يكن ضد هذا الخليفة بمعناه الإلهي قال تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة) وقال تعالى :(فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) صدق الله العظيم.
وتيار السلفية في دماج لا يريد المشي في مناكبها ولا يأكل من رزق الله بالعمل والحركة والتعامل مع الآخرين، يريد فقط أن يستوطن حياة منغلقة بائسة والبقاء في دماج وتحديد مواقف من العالم كله وذلك ظلم لأنفسهم لا بعده ظلم؟، فهل يدرك إخوتنا في هذا التيار، الذي نأسى لحاله أهمية التفاعل مع المجتمع وقضاياه؟ أم سيظلون يوصدون الأبواب على أنفسهم وأهلهم ويعيشوا حياة القرون السحيقة، حيث كل شيء محرم حتى حق المشاركة في صنع الحياة؟ سؤالان نرجو أن يقرا في عقل هذا التيار لمراجعة مفاهيمه عن الحياة والتطور بنظرة إسلامية، تقيم موازين العدل والعقل وتعلي من شأن الإنسان وحقه في الرفاة والعيش الكريم والحرية وهي تقوى الله أولاً في حقوق الناس وتعاملاتهم بروح المودة والصفاء، وليس المآخذ التي لا حدود لها سوى البقاء خارج الزمن والحقيقة وخارج الحياة وخلفة الله للإنسان فيها.