المحرر السياسي
المحرر السياسي
عدد المشاهدات : 5,934   
ليبرالية مغلقة

وحدهم التقدميون اليوم يعتنقون أيديولوجيا القمع ويرضون بها بديلاً عن الحرية والديمقراطية وينتمون إلى الإرهاب بتفوق عجيب لم يحدث في تاريخ نضالهم الأممي أو القومي، فهم ينحازون وبقوة إلى لغة إرهابية عدائية ديماغوجية..
ولعل الأبرز في هذا السياق, إلى جانب القوى المسماة تقدمية, البعض من ناشطي الحقوق والحريات الذين يسيرون في ذات الفلك، وهو معادات كل ما هو إسلامي بمواقف مسبقة وبرغبة في الكيد ورفض لكل ما يصدر من الإخوان المسلمين من قول أو رأي سلمي خارج أي عنف, أو دعوة له، ومع ذلك نرى ثلاثية القومي والأممي والليبرالي يشكلون شبه عصابة مهمتها الإفراط في النيل من الإخوان المسلمين بشكل سافر لا يدل مطلقاً على احترام الآخر وحرية التعبير, ولا يعير أي معنى للديمقراطية والحقوق والحريات.. وكأن العدو الأساس والمطلق ليس الفقر والجهل والمرض، وإنما الإخوان المسلمون الذين من حقهم أن يعبروا عن رأيهم ومواقفهم مادام وما يصدر عنهم في الإطار السلمي.. ولعل الهجوم الشرس والمستمر على الإخوان المسلمين يقدم لنا قوى هي في قلب التحجر والضيق, وهي تكفيرية بامتياز مادامت تقصي ولا تقبل بالتنوع وتتمترس ضد الآخر وتغفل التعايش السلمي والتنوع في إطار الوحدة، وهي أصولية جديدة، ورعناء غايتها خلق تناقض بين أفراد المجتمع من خلال الحدية مع الآخر تصل إلى مستوى العدمية، وأكبر دليل على ذلك الهجوم الشرس على الشيخ (عبدالمجيد الزنداني) لمجرد أنه أدلى برأيه, لتذهب تلك القوى إلى إدانته وإرهابه واستخدام لغة قديمة جديدة عنوانها (إرهابي).. وهذه القوى التي لا تقبل بالتعايش ولا بما تراه من صميم التطلع للمستقبل وهي الديمقراطية ترفض كل قول أو فعل لكل ما هو من الإخوان المسلمين, وتذهب إلى استدعاء الغرب وأميركا وإلى الاستنجاد بالخارج على الداخل بصورة لا تعبر عن احترام الرأي ولا تقدم نموذجاً صادقاً عن أهمية التنوع والتعايش.
وإذاً نحن أمام قوى تأزيميه تلغي وتدين وتحرص على خلق فجوة مجتمعية، والأغرب أن يصمت أمام هذا الإرهاب رموز من التقدمي والليبرالي أيضاً من كنا نرى فيهم النموذج الحي للنضال والرفاقية والقدرة على كشف زيف الادعاء ومن لديهم قناعة حقيقية بأن الوطن يتسع للجميع وليس فقط لقوى لغتها كيدية وعدائية سافرة واستنجادية بالداخل على الخارج.
الغريب أيضاً أن يصمت الشرفاء عن أخطاء فادحة من قبل قوى رغبتها جعل الوطن في خلافات لا تؤدي إلى تعايش خلاق وتمارس مهامها خارج مفاهيم العصر وخارج ما هو ضروري, لحشد كل مكونات المجتمع من أجل وطن مستقر آمن قادر على النهوض وعلى اللحاق بالعصر والخروج من إحباطات الواقع.. غير أن دعاة الكذب والمتمترسين ضد الآخر لا يلقون بالاً لأهمية وطن يسوده الاستقرار والسلم الاجتماعي.. لذلك يبقى الإخوان لديهم هدفاً في مرماهم للمزايدة ولخلق مناخات خصومة ورفض ما هو معبر عن رأي.
ولهؤلاء نقول: إن القوى الإسلامية بزخم حضورها وثقلها لا يمكن أبداً أن ترمى في البحر وتغيب تحت طائلة تهمة الإرهاب بلغة ممجوجة وصلفة.. ونقول: هذه القوى الإسلامية على امتداد الوطن لها ثقلها وتحتكم وترضى بالديمقراطية ولا يمكن شطبها من معادلة وطن مطلقاً، إنها حضور كبير تقبل بالتنوع والتعدد السياسي والحزبي والتعايش السلمي وتقيم علاقة احترام مع الآخر وتدعو إلى الديمقراطية التي تشكل اليوم قلقاً لبعض القوى التقدمية وتجعلها تتهرب من استحقاقات وطن, ومصر خير مثال على ذلك.. وما نراه في اليمن يبدو أنه يسير بالنسبة لبعض القوى التقدمية وبعض ناشطي الحقوق والحريات في ذات الاتجاه, رفض الديمقراطية باستعداء الآخر والسعي لتكميم أفواه كل من له انتماء إلى الإخوان المسلمين ومحاربته بأسلوب ممنهجوتناغم عجيب يشكل خطراً على المستقبل ما بقي الرفض هو سيد الموقف لكل ما هو إسلامي..
وهنا لابد لهذه القوى التي رسبت بما لا يدع مجالاً للشك في الديمقراطية وانتهكت وتنتهك الحقوق والحريات وتلغي ملايين بحثاً عن ذاتها.. لهذه القوى أن تفيق من سباتها وأن تتخلص من لغة فجة إرهابية وأمنية بامتياز، وأن تدرك أن تضليل الجماهير لم يعد ممكناً في ظل تدفق المعلومات والسماء المفتوحة, وأن الكذب ولى زمنه, ومن يتصور أنه قادر على استيحاء مفردات ولغة الأنظمة البالية لقمع الآخر، يبقى غير مدرك لأهمية التطور، ومعنى العالم فضاء مفتوح، ومعنى الديمقراطية خيار وطن وطريق للتطور مهما كانت الصعاب ومهما حاولت تلك القوى أن تصادر الزمن وتدعيه لنفسها وتحتكر الحقيقة وتنكرها على الآخرين وتلبس ثوب العلمانية وتفشل حتى فيها حين تعادي الإسلامي ولا تحترم أيدولوجيته مادام لا يشهر سلاحاً وينادي بالسلمي كمظهر حضاري.. وهو أمر تدركه تلك القوى التي لم تعد تمتلك أمام هذا الإدراك إلا أن تعيش أزمة الذات حين لا تتفتح وتعجز عن الانتماء لخيارات القادم المستقبل وإلى ما هو خلاق، وليس إلى تكتلات هوجاء بقاموس بذيء ولغة هابطة ومخاتلة وادعاء.
وبكل تأكيد :الإسلاميون اليوم أكثر حضوراً في العصر وتحدياتهم مع المستقبل كيف يكون تقدماً وليس البقاء في العقيم وجعل الديمقراطية حقوقاً مكتسبة لقوى دونما أخرى..
والواقع أننا اليوم على مفترق طرق؛ إما التعايش بقيم محبة وروح ديمقراطية وسلوك حضاري واعتراف بالآخر والتنوع في إطار الوحدة، أو الفوضى التي ينشدها البعض ممن سخروا لها ويريدونها واقعاً يعبر عن مصالح قوى إقليمية.. وليس إذاً أمام كل ذلك غير التخلص من عداوات لا مبرر لها، والنأي بالذات الوطنية عن التحجر وتعب الكذب ولغة الإقصاء، فالكل اليوم لابد له من أن يتفتح مع الآخر, ولكن ليس قبل خلق ثقافة حوار وقبول بالآخر وثقافة انتماء للمستقبل واعتراف بممكنات الكل قادر على النهوض, وبثقافة ترفض التمترس والتعالي والاتهام والأصولية الجديدة التي ترهب ولا تقل مطلقاً عن كونها تكفيرية باسم التقدمية وحقوق وحريات وليبرالية مغلقة لا تنسجم أبداً مع المصطلح وطبيعة فلسفة ومضامين الليبرالية, وهي تنوع واحترام معتقد وحريات بضوابط لا تلغي الآخر وديمقراطية نزيهة.. وهو التحدي الكبير الذي يجب على القوى المنتمية لهذه الفلسفة أن تحترم قيمها ولا تتخرج عنها للنيل من الآخر وترتد للتقوقع زيفاً في المصطلح.. فهل نجد لدى تلك القوى القدرة على تجاوز أزماتها تجاه الديمقراطية واحترام الحقوق والحريات, أم ستبقى في وهم اسمه (تقدمية وليبرالية)؟!.